المنسيات

المنسيّات.. نساء إلتهمتهنّ محرقة بن علي
كتب: وليد أحمد الفرشيشي/ديوجين
هن "المنسيّات"...هنّ نساء تونسيّات كسرن حاجز الصمت بعد الثورة ليتحدّثن عن المحرقة التي التهمت شبابهن و اسرهن و مستقبلهنّ...هن نساء ارواحهن نازفة و اجسادهنّ مزّقها سوط الجلاّد و قلوبهنّ ممتلئة عن آخرها بالندوب و الجراح و لم يعد فيها مكان لندب جديد او لجرح جديد...هنّ نساء "منسيّات" من تاريخ دمويّ مغلق على الفجيعة و الظلم و الاغتصاب الممنهج و مصادرة الراي و القمع على الهويّة السياسية و الدينية في بلد احتكر الاسلام الرسمي فيه "شرطي" وصل السلطة اثر انقلاب 7 نوفمبر ليقلب حياة بلد باسرها و يأسر مستقبلها بين الزنازين الرطبة و المقامع الحديدية...هنّ نساء "منسيّات" مع انّهن يشتركن في نفس التجربة المرّة و القاتلة لأي رغبة في الاستمرار...فبين من اغتصبت بعصيّ الشرطة بعد ان اجبرت على التجوّل عارية في احد المراكز الامنية...و بين من اجبرت على كتمان حملها و تربية ابنتها في الظلام خوفا من بطش بوليس بن علي...او تلك التي سرقت طفولتها و هم يلقمونها للزنزانة الرطبة لانها لبست الحجاب...او الاخرى التي بترت ساقها و هي تجبر على الركض فوق شظايا الزجاج...أو تلك التي اغتصبت في سجن منوبة...او الأخرى التي علّقت عارية و زوجها لانهما كتما زواجها...بين هؤلاء النساء...تجربة مرّة تموت على أطرافها كرامة الانسان و تسحق فيها ارادته....
كنت أشعر بالاختناق و انا استمع الى شهاداتهنّ في مقرّ "جمعية نساء تونسيات"...سجينات سابقات في زنازين بن علي او زوجات سجناء اخترن ان يتحدّثن و ان يكشفن للعالم حجم "المحرقة"...و مع كلّ حرف او مشهد يتملّكني "الرعب" و الرغبة في التقيّؤ...و مع كل دمعة تنزل من أحداقهن أجاهد لأغالب دمعة تصرّ على التعاطف مع مرارتهن ...و لولا حياء الرجل و حياد الصحفي لتركتها تنزل علّها تخفف عنهن...
علّقت عارية مع زوجي
حكاياتهن متشابهات مع احتفاظ كلّ منهن بوعي فردي قاتم حول المحرقة. نجاة العيشاوي (43سنة) مثلا دخلت السجن من اجل الانتماء الى تنظيم تابع لحركة النهضة في القطر الموريطاني. تقول نجاة" عام 1994 عدت الى تونس لافاجأ باقتحام منزلنا و اقتيادي لثكنة بوشوشة حيث تم بحثي مع مجموعة من الاخوة تحت الضرب و التعنيف. كان عمري وقتها 22 سنة حينما حملوني الى السجن. حرمونا من الادوية و زيّنا الاسلامي و حرّضوا علينا سجينات الحق العام خاّصّة الشاذات منهن. في السجن تم التنكيل بنا و تعذيبا و ترهيبنا. بعد قضائي مدة العقوبة، خرجت اكثر اصرارا على مواصلة دراستي، على الرغم من المراقبة الادارية حيث كنت اوقع 5 مرات صباحا و مثلها مساء في خمسة مراكز امنية مختلفة. غير ان محنتي الحقيقية لم تنته بل تواصلت بشكل اكثر بشاعة اثر زواجي عام 1997 من احد زملائي الذين مسكوا معي بعد عودتنا الى تونس. تصوّر يا سيدي قبض علينا لاننا لم نعلمهم بزواجنا، الذي رفض عدول الاشهاد تدوينه لولا ان احد اساتذتي غامر و تطوّع بكتابة عقد قراني. على الساعة السادسة صباحا داهموا منزلنا و حملوتني فرقة الارشاد ببنعروس انا و زوجي لبحثنا تحت الاهانات ثم اطلق سراحنا. بعد شهر من زواجي، قبض علينا في محطة الحافلات برادس بتهمة محاولة اجتياز الحدود. لم يجدوا اي تهمة لتلفيقها لنا غير هذه. ليقع تعليقنا بلا ملابس تسترنا في المركز في وضع "الدجاجة" مع التعذيب. بعد ستة ايام اطلقوا سراحي و حجز زوجي لمدة شهر لنعود الى جحيم المراقبة الادارية الى حدود سنة 2006. و مع ذلك درست و اشتغلت في اشق المهن و احطها خاصة بعد هروب زوجي الى فرنسا. لم نيأس. و لولا ايماني بالله و امي التي اعادت لي الثقة في المستقبل لما تمكنت من الاندماج في المجتمع."
محاكمة ...طفلة
حكاية راضية العمري (38 سنة) غريبة هي الاخرى. حيث قبض عليها اثر وشاية من القيمة العامة لمعهد الوردية و عمرها لم يتجاوز السادسة عشرة...نعم حملت الى الاصلاحية و هي طفلة لم تتجاوز ستة عشر ربيعا بتهمة و اي تهمة...لبس الحجاب. تقول راضية في شهادتها:" اقتحم اكثر من 50 عون منزلنا و اقتادوني الى ثكنة بوشوشة. كنت طفلة لا افهم ما يحدث. اربعة اشهر ووالدتي لا تعلم عنّي شيئا قبل ان يقع ايداعي الى الاصلاحية. عندما زارني والديّ لم اعرف والدتي التي انهارت اثر ما حدث لي و لم اتعرّف على ملامحها التي التهمها المرض. امضيت هناك عاما و 8 اشهر ليحكم علي قاضي الاطفال فيما بعد بعدم سماع الدعوى. عدت الى مقاعد الدراسة في معهد خاص و كلّي عطش للعلم و المعرفة و لكنهم واصلوا مراقبتي حتى عندما تقدم زوجي لخطبتي.
من رحم الرعب يولد الصمود
و الشهادات لا تنتهي...فهناك من تم اجهاضها من طرف الجلاد "بوكاسا" وهناك من حملت من زوجها الفار و اخفت حملها ثم ولادتها عن الجيران حتى لا تجبر على الكشف عن مكان تواجد زوجها و هناك من بترت ساقها بعد ان اجبرت على المشي على شظايا الزجاج و هناك من هربن الى الخارج و فضلن المنفى...و لكنهن جميعا يشتركن في "الصمود" و الرغبة لا في الثأر و لكن في اثبات قدرتهن على الاحتمال. قلن لي.."نحن لا نبحث عن التعويضات بل ليفهم المجتمع ما حدث لنا. لسنا معقّدات كما يروّج عنا بل نسعى الى توثيق عذاباتنا حتى تقدر المراة التونسية مهما كان توجهها الفكري و الايدلوجي على حماية حقوقها و حريتها...حتى لا تستمح مرة اخرى بان تكون وقودا لمحرقة خلّفت في النفس جراحا غائرة".
توثيق المحرقة
السيدة ابتهال عبد اللطيف، رئيسة جمعية نساء تونسيات، قال للمصوّر ان يوم الوفاء الذي نظمته الجمعية يوم أمس الأحد، تحت شعار "مناضلات...منسيات"، يسعى الر ردّ الاعتبار لمناضلات و سجينات الراي و توثيقا لجرائم العهد البائد. لتقول:"الجمعية التي تأسست منذ سنة تقريبا منفتحة على جميع النساء من جميع المشارب الفكرية و الايديولوجية، حيث تعمل على تطوير مساهمتها في المجتمع و توعيتها و ارشادها على تجاوز المحن كما تهتم بالاسرة و بالشباب الطلابي...و يوم الوفاء نسعى من خلاله الى تسليط الضوء على قضية السجينات او زوجات المساجين السياسيين و شعارنا في ذلك: إذا اعدتم كتابة التاريخ يوما فلا تنسونا"...
و أنا أغادر مقر الجمعية قلت متسائلا- و دمعة نجحت اخيرا في فكّ ارتباطها مع حياد الصحفي-" بأي ايدي دامعة سنكتب تاريخ...المنسيّات.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire